عبد الشافى محمد عبد اللطيف
329
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي عن السند قبل أن يدخلها الإسلام « 1 » : « كانت هذه البقعة من الأرض وما جاورها من البلدان تعيش في عزلة عن العالم يحكمها ولاة يعتبرون أنفسهم آلهة على الأرض ، والناس كانوا يكفرون بين أيديهم ويقدسونهم كتقديس العبد لربه ، وكانت الأرض وخيراتها ملكا لهم ، والناس عبيد عندهم يفعلون ما شاؤوا ويحكمون بما أرادوا ، الرقاب تحت سيوفهم ، والأعراض رهينة شهواتهم ، الضعيف المكافح كان أذل من الحيوان ، ولم يكن الشرف إلا بالوراثة ، أما من ناحية العقيدة فلم تكن هناك ديانة واحدة ، بل ديانات متفرقة ، ليس فيما بينها رابط جامع ، وكل ما في الأمر أنهم كانوا يعتزون بطقوس وتقاليد ورثوها من آبائهم ، وتمسكوا بها جهلا وغرورا . إن دخول الإسلام بلاد السند وبلاد الهند كان فاتحة عصر جديد ، عصر علم ونور ، وحضارة وثقافة . . . » ثم يقول : « لم يكن العرب المسلمون من طراز أولئك الغزاة ، الذين إذا دخلوا قرية أفسدوها ، واعتبروها بقرة حلوبا ، أو ناقة ركوبا ، يحلبون ضرعها ، ويركبون ظهرها ويجزون صوفها ، ثم يتركونها هزيلة عجفاء . ولا يعتبرون أنفسهم إلا كالإسفنج يتشرب الثروة من مكان ويصبها في مكان آخر ، كما كان شأن الإنجليز في الهند ، وفرنسا في الجزائر والمغرب الأقصى ، وإيطاليا في طرابلس وبرقة ، وهولندا في أندونيسيا . بل وهب العرب البلاد التي فتحوها أفضل ما عندهم ، من عقيدة ورسالة وأخلاق وسجايا ، ومقدرة وكفاية ، وتنظيم وإدارة ، أقبلوا عليها بالعقل النابغ والشعور الرقيق ، والذوق الرفيع ، والقلب الولوع ، واليد الحاذقة الصنّاع ، فنقلوها من طور البداوة إلى طور الحضارة ، ومن عهد الطفولة إلى عهد الشباب الغض ؛ فأمنت بعد خوف ، واستقرت بعد اضطراب ، وأخذت الأرض زخرفها ، وبلغت المدنية أوجها ، وتحولت الصحاري الموحشة والأرض القاحلة إلى مدن زاخرة وأرض خصبة ، وتحولت الغابات إلى حدائق ذات بهجة ، والأشجار البرية إلى أشجار مثمرة مدنية ، ونشأت علوم لا علم بها للأولين ، وفنون وأساليب في الحضارة لا عهد لهم بها في الماضي ، وانتشرت التجارة وازدهرت الزراعة ، فكأنما ولدت هذه البلاد في العهد الإسلامي ميلادا جديدا ولبست ثوبا قشيبا . . » ا . ه . هذه شهادة واحد من أبناء الطرف الشرقي للدولة الإسلامية ، وإليك شهادة
--> ( 1 ) من تقديمه لكتاب الدكتور عبد اللّه الطرازي - موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية لبلاد السند والبنجاب - عالم المعرفة ، جدة ( 1403 ه ) ( 1 / 6 ، 7 ) .